الملياردير المصري ناصف ساويرس يقترب من رئاسة "أديداس".. والشركة تستهدف إيرادات مليارية جديدة خسوف القمر الدموي 2026 يشعل السماء في رمضان 1447.. تفاصيل الظاهرة وهل يراها المصريين؟ (تفاصيل) موعد إجازة عيد الفطر 2026.. تفاصيل رسمية حول أول أيام العيد وعدد أيام الإجازة عاجل.. "مصر للطيران" تعلق رحلاتها إلى 13 وجهة عربية إثر التوترات الإقليمية تجربة وخبرة راسخة.. مرشحون على أعتاب نقابة المهندسين لتحقيق نقلة نوعية «قص ولصق».. مغامرات كوميدية تعيد إحياء الأمثال الشعبية وتجمع العائلة في رمضان 2026 برنامج "رحلة في سيرة النبي محمد" يتصدر مواقع التواصل الاجتماعي والذي يعرض على MBC1 ومنصة شاهد يومياً في رمضان أسعار الذهب تواصل الصعود اليوم الأربعاء.. عيار 21 يكسر حاجز 7000جنيهاً أسعار الذهب اليوم الثلاثاء 27-1-2026.. استقرار عيار 21 عند "الذروة" والجنيه يكسر حاجز 54 ألف جنيه تحذير من الأرصاد.. حالة الطقس اليوم الثلاثاء يجمع بين الأمطار الرعدية والعواصف الترابية وتدهور الرؤية
مقالات و أراء

“صرخة في الميدان”.. شاهندة التي فتحت بيتها للثوار وأسقطت جماعة الظلام

في تاريخ الأوطان لحظات فارقة يتوقف عندها الزمن، وتُولد فيها الشعوب من جديد، وتكتب سطور عزتها بدماء أبنائها وهتافات نسائها، وصرخات شيوخها وشبابها في الميادين. ٣٠ يونيو ٢٠١٣ لم يكن مجرد تاريخ في الروزنامة، بل يومًا انتفض فيه شعب مصر العظيم ليستعيد دولته من براثن جماعة حاولت اختطاف الثورة وخنق الحلم وكسر إرادة الناس، ووأد حلم الشباب، لم تكن معركة سلطة، بل معركة هوية وبقاء لوطن أرادوا له أن ينكسر ويضيع في هذا المشهد، كانت أسماء بعينها تضيء ليل الوطن، وأصوات تهتف من عمق الأرض لتحمي البلاد، ومن بين تلك الأصوات الحرة، ارتفع صوت المناضلة شاهندة مقلد… السيدة التي اختزلت في شخصها سيرة وطن من المقاومة والتحدي والنبل.

لم تكن شاهندة مقلد مجرد ناشطة سياسية، بل واحدة من أعمدة النضال الشعبي في مصر، امرأة سكنت تراب هذا الوطن وعرفت قراه وأوجاعه، تنفست معاناته، وصدحت باسمه في وجه كل من أراد له الانكسار. منذ عرفتها كوني، وهي تحمل هم الأرض وأوجاع الفلاحين على كتفها، لا تعرف للراحة طريقًا ولا للمهادنة مكانًا، لم تكن تنفصل عن معركة، ولم تغب عن جبهة، ولم تتردد يومًا في المواجهة مهما كان الثمن. كانت نموذجًا في حرية المرأة والكرامة الإنسانية، وكان لها أسلوبها الخاص، لم تكن من هواة المقاعد والمناصب، ولدت حرة وماتت في الميدان، مدافعةً عن ما عاشت من أجله دائمًا، حاملة صورة رفيق العمر، زوجها شهيد معركة الأرض ضد الإقطاع.

مع ثورة ٢٥ يناير، فتحت بيتها وذراعيها لشباب الثورة، في وقت امتدت فيه أيادي وبطش الإخوان في كل مكان بمصر، وشاركت في كل خطوات الحراك من ميادين التحرير إلى شوارع المنوفية، وكانت صوتًا حاسمًا في كل نقاش. آمنت أن الشباب هم أصحاب التغيير، وأن المعركة الحقيقية لا تزال طويلة، وأن العمل الثوري هو الطريق لا الصفقات ولا المواءمات. وعندما بدأت نذر الخطر تطل مع صعود جماعة الإخوان إلى الحكم، كانت من أوائل من قرأوا المشهد بوعي الثائر وتجربة المناضل، ورأت أن ما يحدث ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل خطر يهدد هوية الدولة ومستقبلها.

ساهمت بدور محوري في تأسيس “جبهة الإنقاذ الوطني”، ودفعت باتجاه لمّ شمل القوى المدنية واليسارية تحت مظلة واحدة تقف في وجه مشروع أخونة الدولة. لم يكن ذلك قرارًا تنظيميًا بقدر ما كان فعل وطنية خالص من امرأة تعودت أن تنحاز لوطنها وقت الأزمات. وكانت الجلسات في بيتها تجمع شتى الأطياف، تتصدر النقاش، وتصر على أن الشباب هم أصحاب الكلمة الفصل في أي معركة قادمة.

وعندما جاءت اللحظة الحاسمة في ٣٠ أبريل ٢٠١٣، وبدأ شباب تمرد أولى اجتماعاتهم التنظيمية، كانت شاهندة من أوائل من دعمتهم واحتضنت فكرتهم، وآمنت بقدرتهم على تحريك الشارع من جديد، لم تكتف بالدعم المعنوي، بل دعت شباب الثورة إلى مسقط رأسها في كمشيش، ليكون المكان الذي تنطلق منه واحدة من أهم الحركات الشعبية التي أسقطت نظامًا كاملاً. كمشيش، تلك القرية التي شهدت معاركها الأولى ضد الإقطاع، صارت مسرحًا لأول نقاشات إسقاط الإخوان، بإرادة الفلاحين والشباب.

كنت صبيًا وقتها في ٢٠١٣، وأحد شهود العيان على وطنية وإخلاص هذه السيدة، التي صنعت من رحلة كفاحها بعد استشهاد زوجها في قضية الإقطاع، نسيجًا من الوطنية والكرامة والدفاع عن حقوق الفلاحين، لم تكن معركتها فقط ضد الإقطاع، بل ضد جماعة الإخوان، وضد بقايا النظام السابق. كنت صغيرًا، لكن كان لدي إدراك أن مصر في خطر، وكان صوتها في قلب الميدان يزلزل الصمت، ولعل صرختها الشهيرة يومها كانت الشرارة الأولى لانطلاق الثورة الشعبية التي استعاد بها المصريون دولتهم.

لم يكن نضال شاهندة مقلد وليد ثورة يناير أو يونيو، بل يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حين خرجت في عام ١٩٥٥ بصحبة رفيقتها صافيناز كاظم، تجمع التفويضات للزعيم جمال عبد الناصر، لدعم مطلب مشاركة المرأة في الحياة السياسية وحقها في التصويت الترشح، وكانت تؤمن أن الوطن لا يُبنى بنصف طاقة، ولا يعبر النيل بنصف قارب، حملت قضيتها النسوية الوطنية على كتفها بنفس إيمانها بقضايا الأرض والفلاحين.

عُينت في مجلس القومي لحقوق الإنسان المصري، كواحدة من الوجوه الثورية التي لا تتلون، وكان تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي لها في أوائل فترة حكمه دليل تقدير لدورها الوطني، ولعطائها النقي في الدفاع عن الدولة المصرية وحقوق مواطنيها في مواجهة فوضى الجماعة، لم تكن يومًا تبحث عن تكريم، لكنها كانت تعرف قيمة أن تعيش وتموت حرة.

ويظل الحدث المفصلي في تلك الحقبة هو الاعتداء البلطجي السافر الذي شنّه رجال خيرت الشاطر ومليشيات جماعة الإخوان في قلب الميدان، على شباب الثورة والمعتصمين، والذي كان نقطة التحول الكبرى وقتها، ارتفعت صرخة شاهندة في الميدان، ولم تكن مجرد صرخة امرأة، بل كانت بداية الشرارة التي جمعت الثوار من كل الاتجاهات، وأطلقت موجة الاحتشاد الكبرى ضد بطش الجماعة ومحاولاتها لخطف الثورة وحلم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، التف حولها وقتها تلاميذها من مختلف التيارات، فريد زهران، حمدين صباحي، عبد الرحيم علي، وأبناء الميدان من شباب الثورة: أميرة العادلي، سها سعيد، طارق الخولي، محمود بدر، حسن شاهين، عصام علاء، محمد عبد العزيز، وآخرون، الذين صارت خطواتهم الثورية مشاعل في طريق التحرر.

لم يكن المشهد لينجح لولا الاحترام المتبادل بين أعمدة القوى الثورية وقتها: محمد البرادعي، أحمد فؤاد نجم، عمرو موسى، الشيخ إمام، محمد غنيم، حسن نافعة، عمرو حمزاوى، السيد البدوى، كمال الهلباوى، وغيرهم من القيادات التي لعبت أدوارًا فارقة في تلك اللحظة المفصلية من تاريخ مصر.

اليوم، وبعد أن بات شباب الثورة الذين كانت تحفزهم وتدفعهم في صدر المشهد قياديين ونوابًا وأحد صناع القرار في مؤسسات الدولة، رحلت شاهندة وبقيت رسائل ذكراها تدق أبواب الحنين من آن إلى آخر، تذكرنا بدورها الوطني في نجاح ثورتنا المجيدة، في شهر العزة وتصحيح المسار، وفي القضاء على الحكم الديني الذي كاد يطيح بمصرنا الحبيبة، وبموقفها النقي الخالص الذي لا يعرف المساومة، السنوات القادمة كفيلة بالرد، والوقت سيمنح اسمها مكانته التي تستحقها في سجل الخالدات من رموز مصر النسائية السياسية الحقوقية العامة في تاريخها الحديث.

لم تكن تعرف حسابات المكاسب والخسائر، ولا تجيد لغة المواءمة السياسية، وظلت حتى أيامها الأخيرة تؤمن أن الوطن لا يُبنى بنصف مواقف ولا بنصف ثوار. شاهندة مقلد كانت واحدة من تلك القلة التي ظلّت تؤمن أن معارك الأرض تبدأ من القرى والنجوع قبل أن تنتقل إلى الميادين، وأن الفلاحين حين يثورون فهم لا يُهزمون. هكذا عاشت، وهكذا علمتنا، وهكذا ستبقى حكايتها درسًا صافيًا للأجيال.

المناضلة الراحلة/ شاهندة مقلد مع سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى