قطر التي نتمناها
“قطر ليست وحدها”.. بهذه الكلمات عبّر فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي في رسالته لحاكم قطر الأمير تميم بن حمد آل ثاني، معزّياً في الحادث الأليم الذي استهدف الدوحة بضربة إسرائيلية غير مسبوقة، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه منطقتنا وسط صمت دولي ومباركة أمريكية واضحة لما تفعله حكومة نتنياهو، والتي خلال أقل من شهرين استهدفت خمس دول محيطة وواصلت سياسة الإبادة في قطاع غزة دون محاسبة أو إدانة.
الصدمة التي تلقتها قطر لم تكن خاصة بها وحدها، بل شعر بها كل عربي. فهي طعنة في خاصرة الأمة، ودعوة صريحة لإعادة النظر في منظومة العلاقات والتحالفات التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، وهنا يبرز تساؤل قديم جديد: هل تكون هذه الضربة بداية لعودة قطر إلى الحضن العربي والإسلامي، وتجاوز الخلافات التي تفجرت منذ عام 2014 حين انحازت الدوحة إلى دعم جماعة الإخوان، واحتضنت إعلامها ورموزها السياسية؟ وهل ندمت قطر على تلك المرحلة التي خلقت جداراً من الشك مع أشقائها وأضعفت الثقة لسنوات؟ الإجابة ربما تتضح في الأيام المقبلة مع حجم التحديات المتصاعدة.
الهجوم الإسرائيلي الذي طاول قلب الدوحة قد يفرض على القيادة القطرية مراجعة سياساتها تجاه الحليف الأمريكي الذي يملك قاعدة العيديد على أراضيها، فهل تبقى هذه القاعدة ضمانة للأمن أم عبئاً يفتح الباب لاستباحة السيادة؟
مصر التي أثبتت دوماً أنها حجر الزاوية في استقرار المنطقة، يُنتظر منها دور محوري في الوساطة بين حماس وإسرائيل لوقف الحرب، ومع تصاعد التوترات، تظل القاهرة قادرة على التحرك منفردة، بفضل ثقلها التاريخي وعلاقاتها المتوازنة، لفرض هدنة توقف نزيف الدم وتحافظ على أمن المنطقة، وقد تكون الأزمة القطرية الأخيرة فرصة لتكاتف عربي حقيقي، إذ لم تعد الخلافات البينية رفاهية يمكن الاستمرار فيها، فالمحنة القطرية ربما تصبح جرس إنذار يذكّر الجميع بأن المستهدف ليس دولة بعينها، بل الكيان العربي بأسره.
ومن هنا يطرح نفسه مشروع قديم جديد ظل معلقاً: تشكيل “ناتو عربي” بقيادة مصر. هذا الحلف لو تشكل، سيكون هدفه مواجهة التهديدات الإقليمية، حماية الأمن القومي العربي، والتصدي لأي اعتداء خارجي، مع بناء قدرات ردع حقيقية عبر قوات مشتركة وتمويل يعتمد على مساهمات نسبية من الدول الأعضاء وفقاً لحجم اقتصاداتها مصالحها، واللافت أن فكرة شبيهة طُرحت في قمة شرم الشيخ عام 2015 تحت مسمى “القوة العربية المشتركة”، لكنها توقفت عند حدود القرارات السياسية، لتعود اليوم أكثر إلحاحاً في ظل التحديات الراهنة.
نجاح مثل هذا المشروع يتطلب إرادة سياسية جادة، وقراراً شجاعاً بالتخلي عن الارتهان للغرب، والانطلاق من مصالح الأمة قبل أي حسابات ضيقة، واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يُطرح سؤال جوهري: هل يستطيع العرب أن يخلقوا تحالفات جديدة خارج عباءة العم سام؟ تحالفات تنطلق من المصالح المشتركة، وتعيد الاعتبار للهوية العربية والإسلامية، بعيداً عن التبعية للخارج؟
القمة العربية في الدوحة فرصة تاريخية، إذا صحت المعلومات أن الإدارة الأمريكية تجري تفاهمات مع بعض القادة العرب بشأن البيان الذي سوف يصدر عن القمة العربية المرتقبة التي دعت إليها دولة قطر يومي الأحد والاثنين، فإن القمة العربية سوف تكون مثل سابقاتها، تعمّق من الهوان والخذلان وفقدان الثقة في موقف عربي من المفترض أن يكون في حده الأدنى أشبه بقمة الخرطوم التي انعقدت في أعقاب حرب عام 1967م، ومهدت بعد ذلك لنصر أكتوبر عام 1973 ولا شك أن قطر اليوم أمام لحظة فارقة، والعرب جميعاً أمام اختبار مصيري، فإما أن نعتبر مما جرى ونبني وحدة حقيقية تحصّن شعوبنا، أو نظل أسرى الخلافات والتبعية حتى نفيق على ضربات جديدة لا تبقي ولا تذر، إنها ساعة الحقيقة، إما أن نصوغ مستقبلنا بأيدينا أو نترك الآخرين يكتبونه لنا بدماء أبنائنا، والوحدة اليوم لم تعد خياراً سياسياً بل مسألة بقاء.
إما الوحدة.. أو الفناء.




