الأمل حين يتحول إلى قصة حقيقية
في حياتنا قصص قادرة أن تُغيّر نظرتنا للعالم، قصص تجعلنا نعيد التفكير في معنى البناء الحقيقي للأمم: هل تبنى بالشعارات والمظاهر، أم بالكفاءات والقدرات التي لا تُعوّض؟ واحدة من هذه القصص الملهمة هي حكاية القمص الدكتور أديب عبدالله، المعروف ككاهن باسم القمص مكاري عبدالله، الرجل الذي جمع بين رسالته الكهنوتية في الكنيسة وبين رسالته الأكاديمية كأستاذ ورئيس قسم الرياضيات بجامعة القاهرة، في واحد من أصعب فروع الرياضيات وهو “المتغيرات المركبة”. قصته برهان حي أن قيمة الإنسان لا تكمن في مظهره أو زيه، بل في عطائه وإخلاصه وكفاءته.
كاهن على منبر الجامعة
وُلد الدكتور أديب في 22 سبتمبر 1928، وحصل على الدكتوراه من ألمانيا عام 1962، ثم عاد إلى مصر ليُدرّس في كلية العلوم بجامعة القاهرة أكثر من أربعين عامًا، حتى أصبح رئيسًا للقسم عام 1976. في الوقت نفسه رُسم كاهنًا عام 1968، فجمع بين قدسية المذبح وقدسية العلم في تجربة نادرة.
لكن الأمر لم يكن سهلًا؛ فقد تقدّم باستقالته ليتفرغ للكهنوت، متوقعًا أن يقبلها رئيس القسم للتخلص من هذا الوضع الاستثنائي. إلا أن رد رئيس القسم كان صادمًا في إيجابيته: “أنا معنديش بديل ليك، والأمانة العلمية تفرض عليّ التمسك بك”.
حكمة القيادة وجرأة القرار
هذا الموقف لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان درسًا خالدًا في القيادة الرشيدة. فرئيس القسم، ثم عميد الكلية، ثم رئيس الجامعة، جميعهم أدركوا أن الكفاءات لا تُفرّط فيها الأمم، حتى لو بدا الأمر غريبًا أو محفوفًا بالمخاطر.
أما الكنيسة، فقد ضربت أروع الأمثلة في التسامح والشجاعة حين وافقت أن يخدم أديب عبدالله ككاهن وأستاذ في آن واحد. وهكذا احتضنته المؤسستان معًا، وكانت النتيجة أن حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1968، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1970، وصار رمزًا للتكامل بين الإيمان والعلم.
الكفاءة فوق الشكل
هذه القصة تكشف معنى عظيمًا: أن الأوطان لا تُبنى بالمظاهر ولا بالشكل الخارجي، بل بالجوهر وبالعقول النادرة.
لم يهتم أحد بزيه الكهنوتي وهو يدخل الجامعة، بل انشغلوا بعقله اللامع وبما يقدمه لطلابه.
لو كانت الاستقالة قُبلت، لخسر الوطن عقلًا فذًا وإلهامًا نادرًا. لكن شجاعة المؤسسات في تبني الكفاءات صنعت قصة خالدة تُروى حتى اليوم.
المجتمع لوحة فسيفساء
المجتمع القوي ليس مجتمعًا أحادي اللون، بل لوحة فسيفساء عظيمة، كل حجر فيها يُكمل الآخر. في هذه اللوحة، يقف الأشخاص ذوو الإعاقة كجزء أصيل، لا كظل ولا كعبء.
إنهم أصحاب طاقات جبارة، وإرادة قادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات، إذا وجدوا القيادة التي تؤمن بهم. تمامًا كما أفسحت الجامعة والكنيسة المجال لعالم فذ رغم غرابة الظرف، علينا أن نفتح المجال أمام كل صاحب موهبة، مهما كانت ملامحه أو ظروفه.
حرية العقيدة والتسامح
قصة الدكتور أديب أيضًا رسالة عميقة في الدفاع عن حرية العقيدة والتسامح. فالجامعة لم تمنعه من التدريس بسبب كهنوته، والكنيسة لم تمنعه من مواصلة العلم بسبب كهنوته.
التسامح هنا لم يكن شعارًا، بل فعلًا على الأرض، فعلًا مكّن الوطن من الاستفادة من عقلية فذة وخبرة نادرة. الحرية لا تُضعف المجتمع، بل تُقويه لأنها تمنح كل فرد مكانًا وفرصة وعزة نفس.
القيادة الراشدة واكتشاف المواهب
القيادة الحقيقية هي التي تمتلك عينًا ثاقبة ترى الكفاءات حتى وسط الضغوط والاعتراضات، وتؤمن أن نجاح الأكفاء هو نجاحها هي، وأن المجتمع كله هو المستفيد في النهاية. القائد الواعي لا يخاف من المنافسة ولا يتردد في دعم الأفضل، حتى لو كان أفضل منه.
هنا يكمن جوهر القيادة: تقديم الصالح العام على المصلحة الخاصة، والجرأة على اتخاذ القرار الصعب الذي يُثمر خيرًا للأمة كلها.
دعوة إلى الأمل والفعل
الأمم لا تُبنى بالشعارات ولا بالمصالح الضيقة، بل حين نفتح الأبواب أمام كل عقل مضيء وقلب نابض بالعطاء. لقد أثبت التاريخ أن من يغامر بدعم الكفاءات يكسب الرهان، ومن يتركهم على الهامش يخسر فرصًا لا تُعوض. واليوم، دعونا نعلنها بوضوح: لن نسمح أن تُهدر أي طاقة بعد الآن، لن نترك عقلًا مضيئًا يذبل في الظل، ولن نغفل عن أي إنسان قادر أن يقدم الخير لوطنه.
إن نجاح الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم من الملهمين هو نجاح لوطنهم، وهو صوت الأمل الذي يعلو فوق الخوف، وصوت الكفاءة الذي يغلب المجاملة، وصوت الوطن الذي ينتصر على المصالح.
فلتكن قيادتنا قدوة في الشجاعة والإيمان بالإنسان، ولنسطر معًا تاريخًا جديدًا تصنعه الكفاءات ويزدهر به الوطن.




