سوزان نادي تكتب| الباب الأخضر.. صراع الخير والشر

هكذا الشر دائمًا في دوائره وصراعاته، بمثابة حلقة مفرغة يدور فيها الإنسان، ولا منقذ. ربما إذا تحلّى بالصدق والحق في وجه الظلم نجا، ولكن هذا ليس بالسهولة واليُسر، لطالما هناك ضحايا للوقوف أمام هذا الشر. لعلنا نظفر بالخير في نهاية الأمر، وسوف نظفر حقًا، فالخير ينتصر ولو بعد حين، وهذا ما نراه جليًا في فيلم الباب الأخضر، قصة الكاتب المبدع أسامة أنور عكاشة، الذي يحكي فيه عن فتاة مسكينة وقعت في حب شاب غريب جاء للاختباء في القرية التي تقطن بها.
يبدأ الفيلم بتأوهات البطلة سهر الصايغ وهي تضع مولودها، ويصرخ على باب الحجرة أخوها بأنه يريد قتلها، فهي – في نظره – مخطئة وزانية.
لكنها تعلن بثقة أنها زوجة لرجل أحبته، وسوف تذهب بعد يومين إلى القاهرة لتحضر منه قسيمة الزواج وشهادة الميلاد.
وبالفعل تذهب إلى الباب الأخضر في حي الحسين، تنتظر أمامه إلى أن يحضر إليها شيخ جاء معها من البلد.
ولكن سرعان ما تتصاعد الأحداث وتتشابك، بعد أن حاولت إحدى النساء خطف الرضيع الصغير، فتحضر الشرطة وتذهب سهر الصايغ معهم إلى القسم، ويتهمونها بالجنون، ويؤخذ الطفل منها إلى دار الرعاية.
وقد اتُّهمت بالجنون لأن بحوزتها صورة لزوجها، والد الطفل، وهذه الصورة يتضح لنا من خلال الأحداث أنها لرجل مهم ذي مركز مرموق الآن، فلم يستطع أحد تصديقها، سوى شخص واحد فقط، وهو الطبيب النفسي المعالج لها، والذي يلعب دوره إياد نصار. فهو بمثابة الحامي الشجاع الذي يحميها من بطش وظلم هذا الشخص الذي يتنصل من ابنه وزوجته، ويغير مبادئه ليظفر برئاسة تحرير إحدى المجلات.
وأيضًا يمثل هذا الطبيب النفسي حاميًا للبسطاء والفلاحين الموجودين في المستشفى من إجراء تجارب عليهم باستخدام أدوية غير مُجرَّبة بعد.
ومن هنا يحتد الصراع وتتشابك الأحداث بين الخير وبطش الشر ومقاومته.
فالفيلم يتصاعد في بناء درامي محكم: بداية ووسط ونهاية، وتتكشف لنا الأحداث بطريقة ممتعة وشيقة للغاية عن طريق الفلاش باك، وكأن المشاهد في يده حبل معقود، وهو يحاول فك عقدة تلو الأخرى حتى نهاية الفيلم، الذي ينتهي كما بدأ، من أمام الباب الأخضر، ولا تزال البطلة تائهة من أجل ابنها كي يستطيع العيش وسط هذا العالم الموحش.
النهاية بالنسبة لي مأساوية ومحبطة؛ فالحامي، الذي يمثله إياد نصار، قد مات في مواجهة الظلم، ولا يزال الشر مستمرًا، وكأن المخرج يريد قول ذلك بوضوح:
سيستمر الشر، وسيستمر الإنسان في المقاومة حتى النفس الأخير.
تدور أحداث الفيلم في فترة التسعينيات، ويشير الفيلم إلى القوة الحاكمة والباطشة المسيطرة حينها، فالكل مرتاع وينفذ أوامر من فوقه صاغرًا، ولا أحد يستطيع التحدث، حتى لو أراد ذلك، فهو يعلم جيدًا أن نهايته ستكون الموت.
وقد قيل هذا بالفعل على لسان الأبطال، مثل خالد الصاوي.
أما عن الأداء التمثيلي، فقد أجادت سهر الصايغ بحنكة ومهارة دورها، فتَعاطفنا جميعًا معها.
العين معبرة للغاية، وتتسع حدقة العين، ويتوتر الجسد كله، مع صراخ ودموع في مشهد خطف الابن، وكأن شيئًا ثمينًا يُنتزع منا جميعًا حينها.
تعبيرات جسدية تعبر عن موهبة رائعة تتقمص بجدية الدور المكتوب لها.
أما إياد نصار، الطبيب الذي يلعب دور المنقذ، فيعبر بصدق شديد من خلال تعبيرات متجهمة، حزينة، غاضبة، وحانقة على الأوضاع.
يتمنى أن يصلح كل الأمور التي حوله، وكأنه يفعل هذا لنفسه أيضًا.
أما محمود عبد المغني، ففي دور الشاب ذي المبادئ الذي وقع في حب سهر الصايغ، لكنه تحت وطأة الخوف والبطش تنصل من حبه ومبادئه ليظفر بأحد المناصب.
أداء بارع ومتلوّن، يجعل المشاهد في حيرة: هل يتعاطف معه لأنه أيضًا ضحية؟ أم يريد أن تقع عليه أشد العقوبات في أسرع وقت؟
أخرج الفيلم رؤوف عبد العزيز، وهو مخرج متمكن جدًا من أدواته، يستطيع التحكم في إيقاع الأحداث وأداء الممثلين، حتى يمتلك ذهن المتلقي جيدًا.
والجدير بالذكر أنه أخرج العديد من الأعمال الدرامية، أهمها مسلسل نصيبي وقسمتك.
وفي النهاية، فيلم الباب الأخضر من أمتع وأصدق الأفلام التي شاهدتها، بكل عناصره وجوانبه الفنية.
سوزان نادي


