برشامة: حين يصبح الحلم البسيط معركة وجود

الأحلام في بلدنا بسيطة للغاية. يحلم الإنسان بأشياء بسيطة ليحقق بها أمنيات أبسط، وبين الحلم والحلم تكمن المعاناة.
في إطار كوميدي مأساوي، وضمن وحدة المكان والزمان، تدور أحداث فيلم “برشامة”، الذي يجتمع أبطاله لتحقيق هدف واحد، وهو الحصول على شهادة الثانوية العامة. وفي لجنة الامتحان تتصادم الشخصيات ببعضها البعض، لتكشف لنا مدى الهشاشة النفسية والفكرية التي يعاني منها هؤلاء القوم على اختلاف أطيافهم.
منهم المتدين، والسجين، والعجوز، والصغير، والأنثى المحطمة التي تحاول النجاة من بطش السيطرة الذكورية في المجتمع المحيط بها من خلال سعيها للحصول على شهادة الثانوية العامة، إذ تمثل لها طوق النجاة والوسيلة التي تفتح لها باب الحرية.
أبدع المخرج في اختياره للمكان الذي تدور فيه الأحداث؛ فلا تجميل ولا تزييف، بل فصل حقيقي في إحدى المدارس النائية في مكان ريفي. المقاعد بحالتها الخشبية المتهالكة، يحيط بها عدد من اللوحات الورقية التي تحمل العديد من المقولات المأثورة عن الصدق والأمانة والإخلاص، وكأنها صوت الحق المدوي دائمًا بلا مجيب.
أعطى التصوير والكادرات المشاهد انطباعًا عامًا بأنه داخل أحد فصول هذه المدارس عن قرب، وكأنه واحد من هؤلاء الأبطال. إلا أن المواقف الكوميدية التي وضع فيها المخرج أبطال الفيلم جاءت أحيانًا بكثير من الفجاجة، ما أشعرني في بعض اللحظات بالاشمئزاز والتقزز؛ فبرغم أن هدفها الأول كان الإضحاك، فإنها أصبحت منفرة للغاية.
أما عن أداء الممثلين، فقد كان كل منهم موفقًا في دوره. هشام ماجد في دور عبد الحميد قدم شخصية مختلفة عما اعتدنا عليه؛ فإلى جانب أدائه الكوميدي المعتاد أضاف مسحة تراجيدية صدقها المشاهد، وهو يجسد دور الرجل المتدين الذي يحاول جاهدًا ألا يغضب الله.
أما ريهام عبد الغفور، ففي دور فاتن الراقصة التي تحاول التوبة لإنقاذ ابنتها من وصمة العار المرتبطة بمهنة أمها، فقد قدمت أداءً مؤثرًا ومقنعًا.
وقدمت عارفة عبد الرسول في دور أنعام أداءً لافتًا، استطاعت من خلاله أن تثبت أن الإنسان قادر على فعل أي شيء مهما بلغ عمره، ما دام يتمتع بالحيوية والإرادة. وفي بعض اللحظات ظننت أنني أشاهد شابة صغيرة في الرابعة والعشرين من عمرها ترتدي زي امرأة في الستين، لما تتمتع به من مرونة جسدية عالية وأداء حركي ممتاز وخفة ظل واضحة.
أما مصطفى غريب في دور حليلة، فقد اعتمد في أدائه على تعبيرات العين وحركات الوجه، وكأنه طفل صغير يعيش داخل جسد رجل بالغ. وكشف هذا الدور أنه ليس ممثلًا كوميديًا فقط، بل يمتلك إمكانيات تمثيلية كبيرة لم تظهر كاملة بعد، وكأن هذا الدور كان إشارة أولى إلى ذلك.
أما كمال أبو رية في دور مراقب اللجنة، فقد اعتدناه قديمًا في أدوار ذات نمط واحد، إلا أنه ظهر هنا بشكل كوميدي مختلف أدهش الكثيرين.
في النهاية، يقدم الفيلم تجربة مختلفة تعتمد على قواعد درامية منضبطة، لها بداية ووسط ونهاية واضحة، ما يجعل المشاهد يستمتع بساعتين متواصلتين من الضحك. والجدير بالذكر أن الفيلم حقق إيرادات كبيرة في دور السينما وعلى منصات المشاهدة.
بقلم/ سوزان نادي


