تشهد أسواق الذهب حالة من الترقب مع دخول النصف الثاني من عام 2026، في ظل عودة المعدن الأصفر إلى الارتفاع عالميًا خلال الأيام الأخيرة، بالتزامن مع تغير توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة الأمريكية وتزايد الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الفترة المقبلة قد تشهد استمرارًا في تحركات الذهب صعودًا وهبوطًا، مع بقاء فرص الارتفاع قائمة على المدى المتوسط والطويل، إلا أن الطريق لن يكون بالضرورة مستقيمًا، خاصة مع حساسية أسعار المعدن الأصفر لتحركات الدولار الأمريكي وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي والتطورات السياسية والاقتصادية العالمية.
توقعات أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة
ارتفع الذهب عالميًا بقوة خلال الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس 2026، بعدما صعد السعر الفوري بنحو 7% خلال الأسبوع ليصل إلى نحو 4336 دولارًا للأوقية، مدفوعًا ببيانات أمريكية ضعيفة بشأن الوظائف، وهو ما قلل من توقعات اتجاه الاحتياطي الفيدرالي نحو تشديد السياسة النقدية. كما أغلقت عقود الذهب الأمريكية عند مستويات مرتفعة، في ظل عودة المستثمرين إلى المعدن الأصفر.
وبناءً على هذه التطورات، فإن توقعات أسعار الذهب تميل حاليًا إلى الإيجابية على المدى المتوسط، لكن مع احتمالات واضحة لحدوث تصحيحات مؤقتة بعد الارتفاعات السريعة التي سجلها المعدن خلال الفترة الأخيرة.
ويرى بنك UBS أن الذهب قد يصل إلى 5000 دولار للأوقية خلال النصف الأول من عام 2027، وهو ما يعكس استمرار النظرة الإيجابية للمعدن الأصفر على المدى الأطول، رغم تحذير البنك من وجود مخاطر قد تؤثر على الأسعار خلال الأجل القصير.
لماذا قد يرتفع الذهب خلال الفترة المقبلة؟
توجد عدة عوامل يمكن أن تدعم أسعار الذهب خلال الشهور المقبلة، يأتي في مقدمتها مسار أسعار الفائدة الأمريكية. فعندما تتراجع توقعات رفع الفائدة أو تتجه السياسة النقدية نحو التيسير، يصبح الذهب أكثر جاذبية للمستثمرين، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا دوريًا مثل بعض أدوات الدخل الثابت.
كما يمثل استمرار شراء البنوك المركزية للذهب عامل دعم مهمًا للسوق، إذ أظهر أحدث مسح للمجلس العالمي للذهب أن 89% من مسؤولي احتياطيات البنوك المركزية يتوقعون ارتفاع حيازات البنوك المركزية العالمية من الذهب خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، بينما سجلت نسبة من يتوقعون زيادة مؤسساتهم نفسها لحيازاتها مستوى قياسيًا بلغ 45%.
ويضاف إلى ذلك استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي، وهي من العوامل التي تدعم الطلب على الذهب باعتباره أداة لتنويع الاحتياطيات والاستثمارات.
هل يمكن أن يتراجع سعر الذهب رغم التوقعات الإيجابية؟
رغم النظرة الإيجابية، لا يعني ذلك أن الذهب سيتحرك في اتجاه صاعد بشكل مستمر. فالارتفاعات القوية قد يتبعها تصحيح سعري، خصوصًا إذا ارتفع الدولار الأمريكي أو زادت عوائد السندات أو اتجهت الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها بشأن أسعار الفائدة.
وكان المجلس العالمي للذهب قد أشار في توقعاته لمنتصف عام 2026 إلى أن الذهب أصبح شديد الحساسية للتحولات المفاجئة في معنويات المستثمرين والتطورات الجيوسياسية، مع إمكانية تحركه في نطاق سعري خلال السيناريو الاقتصادي الأساسي، بينما يمكن أن ترتفع المكاسب بصورة أكبر إذا تصاعدت المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
وبالتالي، فإن السيناريو الأقرب خلال الفترة المقبلة هو استمرار التذبذب مع بقاء الاتجاه العام مدعومًا بعدد من العوامل الأساسية، بدلًا من توقع صعود يومي ومستمر في الأسعار.
توقعات أسعار الذهب في مصر
أما السوق المصرية، فتتأثر أسعار الذهب المحلية بصورة أساسية بحركة الأوقية عالميًا إلى جانب سعر صرف الدولار أمام الجنيه، فضلًا عن حركة الطلب والعرض داخل السوق المحلية.
ومع وصول الذهب عالميًا إلى مستويات مرتفعة خلال الأسبوع الأول من أغسطس، فإن أي استمرار للصعود العالمي قد ينعكس على سعر جرام الذهب في مصر، ما لم تحدث تغيرات مقابلة في سعر الصرف أو مستويات الطلب المحلية.
وفي المقابل، فإن حدوث تصحيح في السعر العالمي للأوقية قد يفتح المجال أمام تراجع مؤقت في أسعار الذهب بالسوق المصرية، وهو ما يجعل توقيت الشراء عاملًا مهمًا بالنسبة للراغبين في اقتناء الذهب خلال الفترة المقبلة.
هل الذهب مرشح للوصول إلى مستويات قياسية جديدة؟
تظل احتمالات تسجيل الذهب مستويات قياسية جديدة قائمة، خاصة إذا استمرت البنوك المركزية في زيادة احتياطياتها من المعدن، واتجهت السياسة النقدية الأمريكية إلى خفض الفائدة، بالتزامن مع استمرار المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
وكان UBS قد رفع في توقعاته السابقة المستهدفات الخاصة بالذهب، مع الإشارة إلى إمكانية وصول المعدن إلى مستويات أعلى من 5000 دولار للأوقية في بعض السيناريوهات، بينما تشير توقعاته الأحدث إلى إمكانية بلوغ مستوى 5000 دولار خلال النصف الأول من 2027.
لكن هذه المستويات تظل توقعات وليست أسعارًا مضمونة، إذ يمكن لأي تغير مفاجئ في السياسة النقدية أو الدولار أو الأوضاع الجيوسياسية أن يعيد تشكيل اتجاه السوق خلال فترة قصيرة.
الذهب خلال الأشهر المقبلة.. صعود أم تراجع؟
في ضوء المؤشرات الحالية، تبدو توقعات أسعار الذهب أقرب إلى استمرار القوة على المدى المتوسط، مع احتمالات حدوث موجات تصحيح وتذبذب على المدى القصير.
ويظل السيناريو الأكثر دعمًا للذهب قائمًا في حال تراجعت الفائدة الأمريكية أو ضعفت عوائد السندات والدولار، واستمرت البنوك المركزية في شراء الذهب، بينما قد يتعرض المعدن لضغوط إذا عاد التضخم للارتفاع بصورة قوية أو اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا.
وبالنسبة للمستثمرين في السوق المصرية، فإن متابعة سعر الأوقية عالميًا وسعر الدولار محليًا تظل من أهم المؤشرات لفهم الاتجاه المحتمل للذهب، مع ضرورة عدم التعامل مع أي توقع سعري باعتباره نتيجة مؤكدة.
وتبقى توقعات أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة إيجابية نسبيًا وفق المعطيات الحالية، إلا أن ارتفاعات الذهب الأخيرة تفرض في الوقت نفسه احتمال حدوث تصحيح قصير الأجل، وهو ما يجعل حركة السوق خلال الأسابيع والشهور المقبلة مرتبطة بصورة كبيرة بقرارات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية الأمريكية والتطورات الجيوسياسية العالمية.



