منوعات

الذكاء الاصطناعي في خدمة الكنيسة.. تطوير التعليم المسيحي والرعاية الروحية وحفظ التراث القبطي بضوابط أخلاقية

شهد المقر البابوي بالأنبا رويس بالعباسية مناقشة رسالة الدكتوراه المقدمة من الراهب كاراس آفا ماركوس، بعنوان: «أثر تفعيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير منظومة العمل الرعوي والتعليمي والاجتماعي بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية». وذلك تحت رعاية صاحب الغبطة والقداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والرئيس الأعلى للمعاهد الدينية والكليات الإكليريكية، والراهب القمص لوكاس الأنبا بيشوي، رئيس دير القديس مار مرقس الرسول والشهيد أبيسخيرون القليني بطريق العلمين

وتتناول الدراسة العلاقة التكاملية بين الذكاء الاصطناعي والعمل الكنسي، من خلال رؤية تستهدف تطوير آليات الخدمة ومواكبة التحولات الرقمية، مع إخضاع الاستخدامات المقترحة لمراجعة أخلاقية ولاهوتية تضمن بقاء التكنولوجيا وسيلة مساندة للرسالة الكنسية، لا بديلًا عن العنصر البشري.

وتنطلق الدراسة من أن التطور الرقمي لم يعد مجرد تحديث للأدوات المستخدمة في أداء المهام، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في تنظيم المعرفة والتواصل والعلاقات الإنسانية. وبالتالي، فإن إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المجال الكنسي يتطلب وعيًا بطبيعة هذه التقنيات وحدودها، وفهمًا لخصوصية المؤسسة الدينية التي تجمع بين الأدوار التعليمية والرعوية والاجتماعية والإدارية.

وأكدت الدراسة أن المعيار الأساسي للاستفادة من التكنولوجيا يتمثل في قدرتها على دعم رسالة الكنيسة وتحسين جودة خدماتها، دون أن تتحول إلى بديل عن الحضور الإنساني أو الخبرة الروحية أو الدور الرعوي للكاهن. فالتقنيات الذكية، مهما بلغت قدراتها على تحليل البيانات ومعالجة اللغة وتقديم المحتوى، تظل أدوات مساعدة لا تمتلك الخبرة الإيمانية أو التمييز الروحي الذي تتطلبه بعض المواقف الإنسانية والرعوية.

محتوى أكثر تفاعلًا وملاءمة للمتعلمين

تطرح الدراسة إمكانات توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير التعليم المسيحي، باعتباره أحد المسارات الأساسية لنقل الإيمان وتعزيز القيم الروحية والأخلاقية لدى الأطفال والشباب والأجيال الجديدة.

ومن بين التطبيقات المقترحة إنشاء منصات تعليمية تفاعلية تستطيع تقديم محتوى يتناسب مع مستويات المتعلمين وقدراتهم، من خلال تحليل تقدمهم في التعلم وتحديد الموضوعات التي يحتاجون إلى مزيد من الشرح والتدريب عليها.

ويمكن أن تساعد هذه الأدوات خدام مدارس الأحد والقائمين على التعليم الكنسي في إعداد أنشطة ومواد متنوعة، وتطوير المناهج وفقًا للاحتياجات التعليمية للفئات المختلفة.

كما تتناول الدراسة إمكانية الاستفادة من الألعاب التعليمية والمحاكاة الرقمية للقصص الكتابية، لتقديم المحتوى بأساليب أكثر تفاعلًا وجاذبية، إلى جانب أدوات الترجمة الرقمية التي قد تسهم في إتاحة النصوص الآبائية واللاهوتية بلغات متعددة، وتوسيع فرص التعرف إلى التراث الكنسي والاستفادة منه.

ولا يقتصر الاستخدام المقترح على تقديم المحتوى، بل يمكن أن يمتد إلى مساعدة الخدام في متابعة تقدم المتعلمين، وتحديد جوانب القصور في الفهم، واقتراح وسائل تعليمية إضافية.

غير أن الدراسة تشدد على ضرورة مراجعة المحتوى الديني قبل تقديمه، لضمان دقته واتساقه مع التعليم الأرثوذكسي، وألا تتحول سهولة إنتاج المواد الرقمية إلى مدخل لتداول معلومات غير دقيقة أو تفسيرات غير معتمدة.

التكنولوجيا داعم للتواصل وليست بديلًا عن الرعاية الروحية

في مجال الرعاية الروحية، تبحث الدراسة إمكانات استخدام روبوتات المحادثة والتطبيقات الذكية في الإجابة عن الأسئلة الدينية العامة، واقتراح قراءات كتابية وتأملات يومية، وتوجيه المستخدمين إلى المصادر الكنسية الموثوقة.

ويمكن لهذه التطبيقات، في إطار من الضوابط والإشراف، أن تسهم في تيسير الوصول إلى المعلومات الدينية، وتوفير وسائل أولية للتواصل مع المؤمنين، خاصة في المناطق النائية أو بين أبناء الكنيسة المقيمين خارج أوطانهم.

كما يمكن أن تساعد الأدوات الرقمية في تنظيم طلبات التواصل والخدمات والأنشطة، بما يدعم قدرة المسؤولين على متابعة الاحتياجات وتنظيم الاستجابات المناسبة.

وتشير الدراسة كذلك إلى إمكان الاستفادة من أدوات تحليل النصوص في فهم الموضوعات التي تشغل أفراد الرعية، بما قد يساعد على تطوير البرامج التعليمية والرعوية. إلا أن هذه الاستخدامات تظل محدودة بطبيعة البيانات المتاحة ودقتها، ولا يجوز اعتبار التحليلات الآلية بديلًا عن الحوار المباشر أو التقييم المهني والإنساني للحالات.

وتؤكد الدراسة أن الإرشاد الروحي العميق، والتعامل مع الأزمات الشخصية والنفسية، والأسرار الكنسية، تظل مجالات تتطلب تدخلًا بشريًا مسؤولًا ومراعاة دقيقة لخصوصية كل حالة. فلا تستطيع الأنظمة الذكية أن تحل محل الكاهن في الأبوة الرعوية أو التمييز الروحي أو بناء علاقة قائمة على الثقة والحضور الإنساني.

حفظ التراث القبطي وتطوير الإدارة الكنسية

تتسع مجالات الاستخدام المحتملة، وفقًا للدراسة، لتشمل حفظ التراث القبطي، من خلال الاستفادة من تقنيات معالجة اللغة وتحليل النصوص في فهرسة الوثائق والمخطوطات، وتيسير البحث داخل المواد التاريخية والآبائية، ودعم توثيق الألحان والنصوص الطقسية وترجمتها.

ويمكن أن تساعد هذه الأدوات في تسهيل وصول الباحثين والمهتمين إلى مصادر التراث، مع ضرورة مراجعة النتائج والتحقق من دقتها بواسطة المتخصصين.

وعلى المستوى الإداري، تطرح الدراسة إمكانية استخدام الأنظمة الذكية في تنظيم جداول القداسات والأنشطة، وإدارة بيانات العضوية والمتطوعين، وأرشفة الوثائق، وتنظيم الموارد ومتابعة المهام اليومية.

وقد تسهم هذه التطبيقات في تقليل الأعباء الروتينية وتيسير الوصول إلى المعلومات، بما يتيح للقائمين على الخدمة توجيه مزيد من الوقت والجهد إلى الجوانب التعليمية والرعوية والإنسانية.

وتشير الدراسة إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب تطوير البنية الرقمية والتدريب على استخدام الأدوات الجديدة، إلى جانب وضع قواعد واضحة لصلاحيات الوصول إلى البيانات وحمايتها من الاختراق أو الاستخدام غير المصرح به.

تشكيل لجنة الإشراف والمناقشة والحكم ومنح الباحث الدكتوراه

جدير بالذكر أن لجنة الإشراف والمناقشة والحكم تكونت من الأستاذ الدكتور رضا الأتربي، أستاذ تكنولوجيا التعليم بكلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية الإماراتية، مشرفًا ورئيسًا، والأستاذة الدكتورة منى سليمان، أستاذ تكنولوجيا التعليم بالكلية والجامعة ذاتها، مشرفة ومناقشة، والأستاذ الدكتور نبيل عزمي، أستاذ تكنولوجيا التعليم بجامعة حلوان، عضوًا، والأستاذ الدكتور عمرو رفعت، أستاذ ورئيس قسم الصحة النفسية بجامعة بورسعيد، عضوًا ومناقشًا.

وقد أُجيزت الرسالة عقب المداولة، ومُنح الباحث درجة الدكتوراه في «الذكاء الاصطناعي» بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف.

وشهدت المناقشة حضور عدد من الآباء الأساقفة والآباء الرهبان من بعض الأديرة القبطية والكنيسة السريانية، وعدد من الآباء الكهنة والمكرسين والمكرسات، وأساتذة المعاهد الدينية والكليات الإكليريكية، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة من مختلف قطاعات الدولة المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى